تُعدّ القيم محورية في الدافعية البشرية وتلعب دورًا هامًا في التطور المهني، ويتفق معظم الكُتّاب على أن معناها يتشكل ضمن سياقات حياة الأفراد.
مقدمة عن القيم
تُعدّ القيم محورية في الدافعية البشرية وتلعب دورًا هامًا في التطور المهني. ويتفق معظم الكُتّاب على أن المعنى المنسوب إلى القيم يتشكل ضمن السياقات التي يعيش فيها الأفراد [1]. وتتغير القيم والمعاني المرتبطة بأدوار الحياة بالتوازي مع تغيرات الثقافة والمجتمع، رغم أن مدى هذا التغير غير واضح [1]. والقيم مستقرة نسبيًا طوال الحياة، تتجاوز المواقف المختلفة، لكنها ليست محصّنة من التغيير [1]. وهي تُؤثر على الأهمية النسبية المُعطاة للعمل بالنسبة لأدوار الحياة الأخرى [1]. والقيم مفاهيم لا يمكن ملاحظتها مباشرة لكنها تُتعرف من خلال أهداف كالصحة الجسدية والعقلية، والأمان (بما فيه الأمان المالي)، والمكانة الاجتماعية، وتحقيق الذات [1].
تُشير القيم إلى ما هو مهم في الحياة، حيث يحمل الأفراد قيمًا متنوعة (كالإنجاز والأمان والإحسان) بدرجات أهمية متفاوتة [4]. والقيم من بين أكثر خصائص الأفراد استقرارًا وديمومة، وتُشكّل أساس المواقف والتفضيلات الشخصية [4]. وللمنظمات أيضًا أنظمة قيم، تُعرف بالثقافة التنظيمية [4].
القيم هي معتقدات عامة حول طرق السلوك المرغوبة أو غير المرغوبة، وحول الأهداف أو الحالات النهائية المرغوبة أو غير المرغوبة [4]. وهي معايير أو أهداف تتجاوز المواقف، مُرتّبة حسب الأهمية كمبادئ توجيهية في الحياة [4].
ووفقًا لنظرية القيم، تمتلك القيم ستة مكونات أساسية: فهي معتقدات مرتبطة بالعاطفة؛ وأهداف مرغوبة تُحرّك الفعل؛ وتتجاوز الأفعال والظروف المحددة؛ وتعمل كمعايير ومقاييس؛ وتُرتّب حسب الأهمية النسبية؛ وتُوجّه أهميتها النسبية الفعل [4].
مفاهيم القيم
اقتُرح عدد من المفاهيم حول القيم، مُؤكدةً على مركزيتها في مفهوم الذات [1]. ويتناول أحد المفاهيم الحاجات والقيم والاهتمامات، رغم أن هذه المصطلحات تُستخدم غالبًا بشكل متبادل، مما يُؤدي إلى لبس مفاهيمي [1]. تُعرَّف الحاجات بأنها رغبات أو تجليات لحالات فيزيولوجية مرتبطة بالبقاء، بينما تنتج القيم عن تهذيب من خلال التفاعل البيئي، وتُعدّ الاهتمامات أنشطة يُتوقع منها تحقيق القيم وإشباع الحاجات [1].
وفي توضيح إضافي، القيم هي تمثيلات معرفية للحاجات تُقدّم معايير للسلوك، وتُوجّه الأفراد نحو حالات نهائية مرغوبة، وتُشكّل أساس وضع الأهداف، وهي عوامل رئيسية في الدافعية من خلال إعطاء قيمة للمواقف والأشياء [1]. وتعمل القيم كأساس للمعرفة الذاتية التنظيمية وتقييم فائدة المعزِّزات الخارجية [1]. ومع ذلك، لا تُقرّ هذه التعريفات بالدور النشط الذي يلعبه الأفراد في إعطاء معنى للخبرات وبناء قيمهم الخاصة [1].
القيم معتقدات تُعاش كمعايير لكيفية أداء الأفراد وظائفهم [3]. ويُقيّم الأفراد أدائهم الخاص وأداء الآخرين في ضوء مجموعة أساسية من المعتقدات أو القيم، وهي مهمة في اختيار أدوار الحياة واستمداد الرضا منها [3]. وتتطور القيم من تفاعلات بين الخصائص الموروثة والخبرة [3]. وتُؤثر الخلفية الثقافية والجنس والوضع الاجتماعي الاقتصادي على الفرص والتفاعل الاجتماعي، مما يُؤدي إلى تباين في القيم داخل الفئات الفرعية للمجتمع وبينها [3، 1].
ومع تشكّل القيم، تصبح متبلورة ومُرتّبة بالأولوية، ويحدث التبلور عندما يمكن تسميتها والتعبير عنها، مما يُمكّن الأفراد من تقييم السلوك ومقارنة أنفسهم بالآخرين [3]. ويمتلك الأفراد ذوو الأداء العالي قيمًا متبلورة ومُرتّبة بوضوح [3]. وتُعدّ القيم ذات الأولوية العالية محددات رئيسية للاختيارات عندما تتوفر بدائل [3]. ومن المحتمل حدوث الرضا عندما تتوافق الاختيارات مع القيم [3].
القيم معتقدات تتضمن مكونات معرفية وعاطفية وسلوكية، دائمة لكنها أقل استقرارًا من السمات [7]. وتشمل القيم الوسيلية (أساليب سلوك مرغوبة، كالطموح والطاعة) والقيم النهائية (حالات نهائية مرغوبة، كالحياة المريحة والمساواة) [7]. والقيم تمثيلات وتحولات معرفية للحاجات، تُقدّم معايير، وتُوجّه نحو حالات نهائية، وهي دائمة [7].
وتشمل الخصائص الأساسية لـالقيم: كونها معتقدات؛ وتتعلق بحالات نهائية أو سلوكيات مرغوبة؛ وتُوجّه اختيار أو تقييم السلوكيات والأحداث؛ وتبقى مستقرة عبر السياقات والزمن؛ وتُرتّب حسب الأهمية النسبية [7]. والقيم مفاهيم دافعية مستقرة تُمثّل أهدافًا واسعة، تنطبق عبر السياقات والزمن [7].
قيم العمل
تُعرَّف قيم العمل بأنها حالات نهائية يسعى الأفراد إلى تحقيقها ويشعرون بأنه ينبغي عليهم تحقيقها من خلال العمل، يبنيها الأفراد وهم يُشكّلون معنى لخبرات العمل [1]. وتُظهر الدراسات أن الأفراد سيستمرون في العمل بصرف النظر عن الحاجة المالية، حيث تُصنَّف قيم تحقيق الذات (التطور الشخصي، استخدام القدرات، الإنجاز) بمستويات مرتفعة عبر البلدان لدى المراهقين والبالغين [1]. ويبني الأفراد قيم العمل في ارتباط بخبرة العمل بدلاً من السعي إلى عمل يُحقق قيم عمل مُثالية [1]. ومن المهم تصور قيم العمل كبناءات شخصية واجتماعية بدلاً من مُثُل، لا سيما في بيئات تُنكر قيمًا تقليدية كالهيبة والأمان [1]. ويتوافق هذا مع الموقف البنائي القائل بأن قيم الحياة والمسار المهني لا يمكن الفصل بينهما [1].
وهناك انتقاد بأن قيم العمل عُوملت كـظواهر نفسية دون اعتبار للعمليات التاريخية والاجتماعية والفلسفية والاقتصادية [1]. وينبغي أن تكون دراسة القيم أوسع من قيم العمل وحدها [1]. وقيم العمل هي تفسيرات مشتركة لما يريده الأفراد ويتوقعونه من العمل، وهي محورية لفهم معنى العمل وأسباب العمل [7]. وتُؤثر هذه الحقيقة الاجتماعية المشتركة على تصميم العمل والتنشئة الاجتماعية [7].
وتُعدّ قيم العمل قابلة للتطبيق على الأفراد ذوي الخبرة في مكان العمل [7]. وتتعلق بالاختيار المهني والتكيف، على فرض أن القيم تُؤثر على الاختيار المهني ونتائج السلوك الوظيفي [7]. ويُؤطّر تقييم القيم القرارات المهنية في ضوء الدوافع الكامنة، مُقارنًا قيم الفرد بالمكافآت المهنية للاستكشاف [7]. والتوافق بين قيم الفرد والمنظمة له تداعيات على إدارة المسار المهني [7].
وتُؤثر قيم أدوار الحياة الأخرى أيضًا على التطور المهني [6]. وقد تُشبع أدوار مختلفة قيمًا مختلفة، مع نتوء الرضا عن الحياة من تفاعل الأدوار، بخلاف جمع رضا كل دور على حدة [3]. ويتوقف النجاح في دور ما على عوامل تتجاوز إشباع القيم، بما فيها المهارات والقدرات المرتبطة بالدور، وتوافق القيم [3].
المقاربات النظرية المتعلقة بالقيم
تاريخيًا، أدرج منظّرو السمات والعوامل القيم مع الحاجات والاهتمامات والقدرات في التطور المهني [1]. وتنمو الاهتمامات من القيم، ويسعى الأفراد إلى بيئات عمل تتوافق مع المواقف والقيم والمهارات والقدرات [1]. وتُؤكد نظرية التكيف مع العمل أن الأفراد يسعون إلى التوافق بين خصائص المهنة والحاجات والقيم [1]. والقيم مهمة لتطور الاهتمامات لكنها مُتوسَّطة بالكفاءة الذاتية وتوقعات النتائج [1].
تتبنى نظرية براون المهنية القائمة على القيم مقاربة شاملة، مُؤكدةً على القيم كسمات مع الإقرار بالتطور والسياق [1]. وتشمل أدوار حياة تتجاوز العامل وتفاعلاتها [1، 3]. والقيم في علاقة سببية أحادية الاتجاه مع اختيار أدوار الحياة [1]. ومع ذلك، لا يُفسّر هذا كيف يبني الأفراد قيم العمل من الخبرة [1]. وتعكس النظرية اتجاهات نحو السياقية [3].
تُؤكد مقاربات نظرية متنوعة على القيم [2]. وفي نظرية المسار المهني المتغيّر الشكل، يكون المسار المهني ذاتي التوجيه ومُحرَّكًا بالقيم [2]. وتوافق القيم هو درجة انعكاس قيم الفرد في قيم المنظمة [2]. وتُؤثر الدعوة المهنية أو الرسالة المهنية على المسارات المهنية سلبًا وإيجابًا [2].
تُركز نظرية براون على قيم العمل والقيم الثقافية كمتغيرات أساسية [3]. وتشمل افتراضات تُدمج قيمًا ثقافية [3]. ويُطوّر كل فرد عددًا صغيرًا من القيم التي تُحدد الأنماط [3]. ويتعرض الأفراد لرسائل مُحمَّلة بالقيم من الأسرة والأصدقاء ووسائل الإعلام [3].
ويمكن للعملاء اتخاذ قرارات فعالة إذا فهموا القيم وتوفرت لهم معلومات قائمة على القيم [3].
الأبعاد الثقافية والاجتماعية للقيم
يمكن أن تكون القيم مرتبطة بالثقافة، حيث تُظهر مجموعات ثقافية مختلفة قيمًا متمايزة [4]. وللأمم والفئات الاجتماعية ملامح قيمية متمايزة [4]. ويشترك الأفراد في ثقافة ما في بيئات اجتماعية ذات معايير ولغة وأنظمة وقيم فريدة [4]. ومع ذلك، تُشكّل الخبرات الشخصية أيضًا القيم، مما يُؤدي إلى قيم فريدة داخل المجموعات [4]. وتعكس الأبعاد الثقافية لـالقيم قضايا تُواجهها المجتمعات لتنظيم الأنشطة، مُشكّلةً أساس المعايير ومقاييس السلوك [4].
وتوجد نماذج قيمية متنوعة، تُثبت أن القيم جزء من الثقافة [4]. ويُحدد نموذج كلوكهون وسترودتبيك خمس مشكلات عبر الثقافات: جوهر الإنسانية؛ العلاقة بين الإنسان والطبيعة وما وراء الطبيعة؛ التركيز الزمني؛ النشاط البشري المقبول؛ جوهر العلاقات بين الأفراد [4]. وتتفاوت الأولويات عبر المجموعات [4].
ويُميّز نموذج روكيتش بين القيم النهائية (مهمة لحياة ذات معنى) والقيم الوسيلية (تُستخدم لتحقيق الأهداف)، مع وجود 36 قيمة عبر الثقافات لكنها تتفاوت في ترتيبها الهرمي [4].
ويضم نموذج شفارتز عشر قيم بشرية على المستوى الفردي وسبع على مستوى البلد، مُصنَّفة في أبعاد ثنائية القطب: الحفاظ (التقاليد، المطابقة، الأمان) مقابل الانفتاح على التغيير (المتعة، التحفيز، التوجيه الذاتي)؛ تعزيز الذات (القوة، الإنجاز) مقابل تجاوز الذات (العالمية، الإحسان) [4]. وعلى المستوى الثقافي، تتناول القيم العلاقات بين الأفراد والمجموعات (الانغماس مقابل الاستقلالية)، والحفاظ على النسيج الاجتماعي (التسلسل الهرمي مقابل المساواة)، والتفاعل مع العوالم (التحكم مقابل الانسجام) [4].
ويُميّز نموذج إنغلهارت بين القيم التقليدية والعلمانية-العقلانية وقيم البقاء وقيم التعبير عن الذات [4]. والقيم العلمانية-العقلانية تُقلّل من أهمية الدين والأسرة والسلطة، وتتقبل الطلاق والإجهاض وغيرهما [4]. وتُقدّر قيم التعبير عن الذات حماية البيئة والتسامح والمساواة بين الجنسين والمشاركة [4].
وقد تُنعش دراسة القيم من منظور اجتماعي-ثقافي البحث في هذا المجال [7].
تغيرات القيم
تتغير القيم من خلال التأمل والصراع [6]. ويستخدم التأمل القدرة المعرفية للنظر في المعتقدات الأساسية حول الدين والعلاقات وأهمية العمل، وغالبًا ما يُحفَّز بنماذج أو خبرات يومية أو أحداث جسيمة كالحوادث أو الفقدان [6]. وتُختبر المعتقدات الجديدة وتُؤكَّد أو تُرفض عبر التغذية الراجعة، حيث تكون التغذية الراجعة الداخلية أقوى تأثيرًا على القيم الفردية [6].
ويُسبب الصراع التغيير، بما فيه التكيف الثقافي حيث يتبنى القادمون الجدد قيم الثقافة السائدة بسبب الصراع المستمر [6]. وتشمل الأمثلة طلابًا تعرضوا لـقيم أوروبية المركز في المدارس ووسائل الإعلام [6]. وتُمارس مجموعات كالعصابات أو الطوائف ضغطًا لتبني القيم [6]. ويُعزز ضغط مكان العمل القيم أو يُغيّرها، غالبًا من خلال إعادة ترتيب الأولويات [6]. ويحدث الصراع الداخلي عندما تتعارض قيم ذات أولوية عالية، ويُحل من خلال إعادة الترتيب أو تبني أدوار تُشبع كليهما [6].
تقييم القيم
يستخدم التقييم تقليديًا جوانب كمية تُصنَّف في فئتين [1]. تُوجّه إحداهما الاستكشاف المهني من خلال تحديد وظائف تُلبي الحاجات، كمثل قائمة قيم العمل (WVI)، واستبيان مينيسوتا للأهمية (MIQ)، ومقياس تفضيل جوانب العمل (WAPS) [1]. وتقيس الأخرى القيم عبر جوانب الحياة، مُقيّمةً الأهمية النسبية التي يُلبيها دور العامل وأدوار أخرى، كمثل مقياس القيم، وقائمة قيم الحياة (LVI) [1].
وينبغي أن يستكشف المستشارون محاور الحياة ويُركزوا على الحياة قيد التطور بدلاً من حصر الاهتمامات والقدرات [1]. وتنبع قائمة قيم الحياة (LVI) من نظرية براون وهي متوفرة مجانًا على الإنترنت [3].
وتطورت مقاييس قيم العمل من تركيز علم النفس المهني على الاختيار والتكيف [7]. وقد يرتبط تراجع البحث بقابلية التطبيق على البالغين وفقدان برامج البحث، لكن الإنعاش ممكن من خلال مقاربات اجتماعية-ثقافية واعتماد O*NET لنموذج مينيسوتا الذي يربط الحاجات والقيم بالبيانات المهنية [7].
واستُخدمت مقاييس قيمية واسعة مثل دراسة القيم، القائمة على أنواع سبرانغر الستة (النظرية، الاقتصادية، الجمالية، الاجتماعية، السياسية، الدينية)، في وقت مبكر [7]. وجدد استبيان قيم روكيتش الاهتمام بهذا المجال [7].
القيم حاجات من الدرجة الثانية أو عناصر كامنة للحاجات، تُعرَّف من خلال تبسيط البيانات [7]. وهي تُصوّر أنظمة المعزِّزات في بيئة العمل [7].
نتائج القيم
الموظفون ذوو القيم المتوافقة مع المنظمة أكثر إنتاجية ورضا [4]. والقيم غير المتسقة تُسبب صراعًا وإحباطًا وانخفاضًا في الإنتاجية [4]. وقد يتصرف الأفراد بشكل غير متسق مع قيمهم، مما يُؤدي إلى قرارات خاطئة وإحباط [4]. ونادرًا ما تُواجَه القيم حتى تتعرض للتهديد، ويتطلب النضج مبادئ مُستبطَنة تتطور من خلال التفكير والنقاش والمواجهة [4].
وتُفيد تقييمات القيم الأفراد من خلال تحديد قيم عمل غير مُعوَّضة، وتُفيد المنظمات من خلال تجنيد توافقات مناسبة [7]. وتُقدّم المقارنات معلومات للاستكشاف المهني [7]. ويُلمح توافق القيم إلى استراتيجيات لإدارة المسار المهني [7].
المراجع
[1] "The future of career", 2000
[2] Yates, J. ORCID, 2020
[3] Patton et McMahon, 2014
[4] Rothmann et Cooper, 2022
[5] Duane Brown and Associates, 2002
[6] Duane Brown and Associates, 2002 (Note: Same as [5], but distinct content rows)
[7] Career development and counseling: putting theory and research to work, 2005

Decide Well distills decades of decision science, behavioral economics, and career development research into a repeatable method for making better choices — on paperback and Kindle.